عشيّة الجمعة 30 يناير الماضي، رفع متظاهرون من قبيلة الصبيحة صورة الفريق ركن محمود أحمد سالم الصُبيحي، والقائد حمدي حسن محمد شكري الصبيحي، مكان شعارات المجلس الانتقالي الجنوبي وصورة زعيمه عيدروس قاسم الزُبيدي، التي ظلّت مرفوعة لسنوات على منصة ساحة العروض في خور مكسر بمدينة عدن، جنوبي اليمن.
توافد أبناء الصبّيحة إلى الساحة من مناطقهم البعيدة، وقدم بعضهم على ظهور الجمال، في فعالية احتجاجية شاركهم فيها جموع من أبناء عدن ومحافظات جنوب البلاد، تنديدا بمحاولة اغتيال مروّعة استهدفت القائد حمدي شٌكري.
غابت عن تلك الفعالية شعارات الانفصال وصور قادة الانتقالي، وحضرت أعلام اليمن والسعودية وصور ضحايا الاغتيالات، وصورة قحطان محمد الشعبي الصبيحي، أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية الذي أُطيح به بانقلاب في يونيو 69م، وأعلن عن وفاته في يوليو 81 بعد نحو 12 عاما قضاها في السجن.
ساحة العروض ظلّت لسنوات إحدى أبرز ساحات نفوذ الانتقالي ورمزيته السياسية والعسكرية. وهي ذات الساحة التي اعتلى عيدروس الزُبيدي منصتها يوم 30 نوفمبر الماضي، وارتّص خلفه قادة الانتقالي ووزراء في الحكومة وكبار الشخصيات، ووقف مزهواً كزعيم، مؤدياً التحية لسرايا من فصائل قوات عسكرية وأمنية انفصالية مولتها الإمارات منذ عشر سنوات، اصطفت للمرور أمام "الرئيس القائد" في أكبر استعراض لما يُسميه دعاة الانفصال "الجيش الجنوبي" يُقام لأول مرة منذ 37 عاماً في الساحة، التي كانت تحتضن العروض العسكرية قبل اعلان اعادة تحقيق الوحدة اليمنية بين الشطرين 22 مايو 90.
ومن هنا جاءت تسميتها بساحة العروض، ومطلع العام الماضي أُعيد تأهيلها بتمويل من مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) شملت الإنارة والتشجير وتجهيز المنصة الرئيسية التي تصدرتها شعارات المجلس وصور زعيمه.
الساحة نفسها كانت قد شهدت حشد دعاة الانفصال، في الرابع من مايو 2017، الحشد الجماهيري الذي أُعلن خلاله تفويض عيدروس الزبيدي بتشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، في لحظة مثّلت بداية الصعود السياسي والعسكري للمجلس باعتباره المظلة الرئيسية للتشكيلات المسلحة المدعومة إماراتياً في جنوب وشرق اليمن، والتي فرضت حضورها ونفوذها على امتداد الجغرافيا المُطلة على باب المندب والبحر العربي وخليج عدن.
استعادة السيطرة جنوبا
لمواجهة الهجوم الأخطر الذي قادته الإمارات عبر ذراعها المجلس الانتقالي وقواته، ضد الحكومة اليمنية وداعمتها السعودية، واجتياح محافظتي حضرموت والمهرة والسيطرة على مساحات واسعة من الحدود البرية مع السعودية وسلطنة عمان، طلبت الرئاسة اليمنية من قيادة قوات التحالف الذي تقوده السعودية، التدخل، وفوّضت التحالف باتخاذ "أي إجراءات" لاستعادة السيطرة داخليا وإنهاء تهديد الانتقالي وأبو ظبي.
دعمت الرياض القوات اليمنية عسكريا على الأرض، ونفذت مقاتلاتها غارات ضد أهدافا تابعة للانتقالي. وفي السابع من يناير أسندت قيادة التحالف إلى عضو المجلس الرئاسي اليمني عبدالرحمن صالح عقيل المحرّمي المشهور بـ (أبو زرعه)، مهام فرض الأمن بمدينة عدن ومنع أي فوضى وحماية المقار والمنشآت الحيوية، استباقا لموجة عنف كان الانتقالي يخطط لها، من خلال نشر الأسلحة وفتح مخازنها لأنصاره.
المحرمي هو القائد العام لقوات "ألوية العمالقة الجنوبية" المدعومة إماراتيا ونائب رئيس الانتقالي منذ مايو 2023، وهو المسئول عن إدارة القوات الأمنية ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة للانتقالي منذ أغسطس، كان قد اُستدعي قبلها إلى الرياض مع قيادات أخرى.
بعد ساعات كان قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة حمدي شُكري، يطوف في أحياء المدينة على رأس قوات الفرقة ووحدات من فرق أخرى بسطت سيطرتها في مداخل عدن والقصر الرئاسي والبنك المركزي والمؤسسات الحكومية.
عودة الصُبيحي لدائرة الفعل
رُشح الفريق ركن محمود أحمد الصُبيحي لعضوية المجلس الرئاسي اليمني (15 يناير) بدلاً عن عيدروس الزُبيدي، الذي أُسقطت عضويته في 7 يناير بمرسوم رئاسي وأُحيل للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، بعد أيام من هروب الزبيدي بحرا إلى الصومال ومنها إلى الإمارات التي كانت قد منحته وعائلته الجنسية منذ سنوات.
الجنرال الصبيحي -78 عاما- خدم في الجيش منذ عام 76م، وشغل منصب وزير الدفاع 3 سنوات، وأمضى ثمان سنوات أسيرا لدى الحوثيين، قبل أن يعود إلى دائرة الفعل في أبريل 2024، بعد صدور قرارات رئاسية بتعيينه مستشارا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الدفاع والأمن وترقيته إلى رتبة "الفريق"، وتقليده وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، وكان يُستدعى لحضور اللقاءات والاجتماعات الرسمية ورافق الرئيس العليمي في زيارات خارجية، أبرزها زيارة إلى موسكو.
وهو حالياً يُمارس مهامه من القصر الرئاسي في معاشيق بكريتر عدن، ويلتقي وزراء ووفود وقيادات. ويتحرّك بحيوية في المشهد العسكري والأمني، والتنفيذي، داخل المدينة التي رُفعت صوره في شوارعها، فيما يُقيم المحرمي وبعض قادة الانتقالي بفندق في العاصمة السعودية منذ أربعة أشهر.
سبق جلوس الجنرال الصبيحي على مقعد الزبيدي، الإعلان عن حلّ المجلس الانتقالي وهيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، 9 يناير، وإلغاء كافة مكاتبه في الداخل والخارج، عبر بيان تلاه من الرياض القيادي عبد الرحمن جلال شاهر الصبيحي، المُعيّن منذ 24 يوليو أميناً عاماً للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس بقرار أصدره عيدروس بإعادة هيكلة الجهاز التنفيذي والإداري للمجلس، كاستجابة "جاءت متأخرة" لإحداث توازن داخل المجلس وتوسيع دائرة استيعاب ولاءات جنوبية.
حمدي شُكري لاعب الترتيب عسكريا
وقع الاختيار على اللواء حمدي شُكري الصُبيحي، لتولي مسئولية قيادة المنطقة العسكرية الرابعة، وهي المنطقة التي تمثل أكثر من نصف قوام الجيش اليمني وتنتشر في عدن ولحج والضالع وأبين وتعز، وذلك بقرار رئاسي صدر في (30 أبريل) قضى أيضا باستمرار حمدي قائدا للواء السابع مشاه، وقائدا للفرقة الثانية بقوات العمالقة.
تعيين حمدي جاء خلفا للواء ركن فضل حسن محمد العمري (ردفان لحج) الذي تولى مسئولية المنطقة منذ 11 نوفمبر 2016، وقد عُيّن مستشاراّ للقائد الأعلى لشؤون الدفاع ورُقي إلى رتبة الفريق. وقد ظهر حمدي داخل مقر قيادة المنطقة مُرتديا البدلة العسكرية لأول مرة، وقُبّعة بالطير اليمني خلال تسلّمه مهامه رسميا.
يعاونه في قيادة المنطقة العميد ركن محضار محمد سعيد محسن السعدي رئيسا لأركان المنطقة، خلفا للواء ركن نصر سعيد شايف عوض (ردفان لحج). السعدي منحدر من يافع أبين، وضابط سابق نشط في الحراك وفي جمعية المتقاعدين والهيئة العسكرية الجنوبية التي ساندت دعوات الانفصال. كما عُيّن العميد ركن علي حسن علي عُبيد الجهوري، وهو من يافع، مقرب من المحرمي وعضو فريقه الأمني، رئيسا للعمليات، خلفا للعميد ركن محمد محسن علي يحيى.
شُكري، المولود عام 77م بمديرية طور الباحة لحج، - نجا يوم 21 يناير من محاولة اغتيال عنيفة بتفجير سيارة مفخخة استهدفت موكبه الذي كان يتحرّك في منطقة جعولة الواقعة بين عدن ولحج. لم تكن تلك المحاولة هي الأولى لاغتياله، فقد تكررت لنحو 6 مرات خلال عقد.
حافظ على ارتباطه بالحكومة الشرعية رغم استيعابه في قوات العمالقة المدعومة إماراتيا. وبحسب المعلومات فأنه لم ينخرط في جولات التصعيد والتمرد الذي قادته الإمارات وذراعها الانتقالي.
تُفيد مصادر تحدثت لـ "ديفانس لاين" أن شُكري لم يكن على وفاق مع أبو زرعه المحرمي، وقد اتسعت الفجوة أول يناير 2022 مع قرار الإمارات تعيين المحرمي قائدا للعمالقة، وتغيير شعار ومسمى القوات إلى "قوات العمالقة الجنوبية" كقوات جنوبية رفعت شعارات الانفصال واندمجت فعليا تحت قيادة الانتقالي.
وفقا للمصادر فقد رفض شكري المشاركة مع قوات العمالقة والانتقالي في الهجوم على حضرموت والمهرة، وكان على تنسيق عال مع قيادة التحالف والسعودية والحكومة الشرعية.
وبحسب مصادر مطلعة، كانت الإمارات استدعت بعض قادة الفرق والألوية في قوات العمالقة، استباقا للترتيبات الجديدة، من بينهم السلفي المتشدد حسن عبدالرحمن الحبهي اليافعي (يافع، لحج) قائد الفرقة الأولى عمالقة، الذي تُشير مصادر "ديفانس لاين" إلى أنه يحمل جنسية إماراتية ومتواجد حاليا في الإمارات. وقد أُطيح بالحبهي بقرار رئاسي، 18 أبريل، من قيادة اللواء السادس مشاه، الذي تولى مسئوليته بقرار أصدره الرئيس هادي منذ أكتوبر 2018، وتعيين أكرم فؤاد محمد عوض عبدالله (أبو البراء) المنحدر من عدن، قائدا للواء.
يحضر شُكري كلاعب أساسي في هندسة المشهد العسكري، ويحظى بسمعة جيدة قبليا وعلاقة موثوقية داخل قوات العمالقة ولديه وقواته سجل حافل في مواجهة التمرد الحوثي. وبتوليه قيادة المنطقة الرابعة ذات الثقل الواسع جنوبا، يجعله الرجل الأول عسكريا.
ويرى عسكريون أن توليه قيادة المنطقة سوف يساعد في دمج قوات الفرقة الثانية عمالقة ضمن هيكل المنطقة، وتسهيل إعادة هيكلة قوات العمالقة بشكل عام، ودعوة منتسبي المنطقة الذين انخرطوا في تشكيلات أخرى للعودة إلى وحداتهم، في حال توحيد قيمة المرتبات والمدفوعات، ليحتفظوا بأرقامهم العسكرية في وزارة الدفاع.
إذ تُفيد مصادر "ديفانس لاين" أن غالبية مقاتلي العمالقة هم من ضباط وجنود قوات المنطقة الرابعة، وأن اللجان المكلفة بمراجعة وفحص بعض كشوفات العمالقة اكتشفت أعدادا هائلة من الإزدواج، فمن بين حوالى 50 ألف مقاتل اتضح أن قرابة 35 ألفا منهم مزدوجين.
إعادة رسم التوازنات
في مجمل الترتيبات الجارية حظيت قبائل الصبّيحة بأفضلية، وتحضر كرأس حربه في جهود إعادة التوازن.
الصبيحة، هي أكبر وأعتى القبائل في جنوب البلاد، تتوزع فخوذها في مديريات جنوبي غرب محافظة لحج (طور الباحة، المضاربة ورأس العارة)، ويقع ضمن جغرافيتها شريط ساحلي يمتد لنحو 180 كم على مضيق باب المندب وضفاف مياه خليج عدن.
وقد ظلّت حاضرة، تاريخيا، في دائرة الفعل قبليا وسياسيا، تحتفظ بعلاقاتها وأعرافها وترابط أبنائها. وفي مناطقها تتمركز أكبر معاقل التيارات السلفية.
سبق تعيين شكري على رأس المنطقة، قرارات رئاسية بتعيين قائد لواء الشرطة بقوات العمالقة العميد جعفر أحمد صالح الكعلولي الصُبيحي، قائداً لقوات الشرطة العسكرية بوزارة الدفاع، خلفا للواء ركن محمد صالح طالب الشاعري (الضالع). هذه القوات وقائدها تلعب دورا فاعلا في فرض الأمن في عدن وجوارها، وتأمين المعسكرات ومؤسسات حيوية.
وقد ظهر الكعلولي خلال تسلم قواته مواقع حيوية في مدينة عدن. هذا القرار يجعل القوة بعيدة -إلى حد ما- عن سلطة أبو زرعه المحرمي، وأقرب إلى محمود الصبيحي وتتلقى تعليماتها من الرئاسة وقيادة وزارة الدفاع. ويعول عليها أيضا تحييد قوات الشرطة العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي، وهي قوة فاعلة متمركز في مدينة عدن وبعض الأحياء والمواقع، حظيت برعاية واهتمام الانتقالي والامارات. يقودها العميد ركن أحمد محمود البكري، وهو من يافع ومتشدد في الولاء للانتقالي وانخرط وقواته في الهجوم على حضرموت والمهرة.
النفوذ عسكريا
يتركّز نفوذ الصبيحة عسكريا في قوات العمالقة، وتحديدا الفرقة الثانية، التي يقودها حمدي شكري ومعظم مقاتليها من الصبيحة، وغالبيتهم من أنصار التيارات السلفية.
الأمر ذاته، في "قوات درع الوطن"، المدعومة سعوديا، وتحديدا في الفرقة الأولى وبعض الثانية، ومعظم مقاتليها سلفيين من الصبيحة ومناطق لحج. وقوات الدرع "السلفية" خرجت من رحم قوات العمالقة، وبعض قادتها وأفرادها استقطبوا من العمالقة المعارضين لمشروع الانفصال واستئثار أجنحة ما يعرف بمثلث (الضالع، ردفان، يافع)، وأنشئت كقوات موازية للعمالقة- الإمارات.
أُزيح الشيخ السلفي العميد بشير سيف المضربي الصُبيحي، من قيادة قوات درع الوطن الذي تولاها منذ تشكيلها مطلع 2022، وأُعيد هيكلة قيادتها، وقضت قرارات رئاسية، 21 مارس، بترفيع القيادي السلفي بسام محضار أحمد علي الصانبي، إلى رتبة لواء وتعيينه قائدا للقوات، وهو مُنحدر من منطقة يافع ونشأ في مديرية الشيخ عثمان مدينة عدن، وكان نائبا للمضربي ورئيسا لأركان القوات. وعُيّن الشيخ عبدالرحمن صالح حسن اللحجي (عدن) مسئولا لأركان القوات، إضافة إلى عمله قائدا للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.
يقود ضباط من الصبيحة الجهاز الإداري في قيادة قوات الدرع التي أعادت تمركزها في مدينة عدن، ويقود الفرقة الأولى للقوات العميد علي الشمي راشد علوان المحولي الصبيحي، تتمركز قتاليا في قاعدة العند وتنتشر ألويتها في مناطق لحج وعدن. يقود أربعة من ألوية الفرقة ضباط من الصبيحة.
وقد شهدت الفترة السابقة احتكاكات محدودة بين قوات الدرع والعمالقة حول تنازع الاختصاص في مناطق رأس العارة والشريط الساحلي بلحج.
جغرافيا الصبيحة تم تأطيرها عسكريا ضمن محور باب المندب بقيادة العميد ركن عبدالغني الصبيحي، ويمتد مسرح عملياته في مديرية المضاربة والعارة وأجزاء من طور الباحة، وصولا إلى جزيرة ميون بباب المندب. تنتشر في المحور مجموعة ألوية تحت مسمى ألوية حزم، غالبية أفرادها ويقود أربعة منها من أبناء الصبيحة، كانت تتلقى دعما إماراتيا وضُمت إسميا تحت قيادة المنطقة الرابعة.
أدوار أمنية
عُيّن مراد علي محمد عبدالحي الحالمي (مواليد عدن) محافظا لمحافظة لحج، بدلا للواء ركن أحمد عبدالله تركي الصبيحي، المعين منذ أواخر ديسمبر 2017.
وفي الجانب الأمني، عُيّن العميد محمد عبده محمد سالم الصبيحي، نائبا لمدير عام شرطة عدن ومساعدا لشؤون الأمن، بقرار وزير الداخلية، بديلا للعميد أبوبكر حسين أحمد جبر (الضالع- انتقالي).
وعُيّن مدير عام شؤون الضباط بوزارة الداخلية العميد عبده سالم أحمد الصُبيحي، عضوا في لجنة رئاسية مكلفة بدمج التشكيلات الأمنية "الموازية".
وأُزيح قائد "قوات الحزام الأمني" التابعة للانتقالي في مديريات الصبيحة وضاح عمر سعيد الصبيحي، الموالي للانتقالي، وعُيّن عبدالرحمن منصور ياسين الصبيحي، بدلا عنه.
فيما تحدثت مصادر عن تعيين العميد محمد راشد حميدان، مديراً لفرع جهاز أمن الدولة في عدن، خلفاً للعميد محمود الصبيحي.